مدينة موسكو
ولكن نرى عند المسعودي متابعة للموضوع أكثر دقة ، حيث يقول : (( والروس : أمم كثيرة وأنواع شتى ، ومنهم من يقال لهم اللوذاعنة ، وهم الأكثرون ، يختلفون بالتجارة إلى بلاد الأندلس ورومية وقسطنطينية والخزر... )) (12). أعتقد أن هذا المقطع من عمل المسعودي مهم للغاية ويساعد على إلقاء الأضواء على أصول الروس ، فتسمية (( اللوذاعنة )) التي يوردها المسعودي يقصد بها مجموعة كبيرة من الناس ومفردهم ((لوذاعني)) وهي ،على الأغلب ، تسمية تطلق على الشخص الواحد نسبة إلى المدينة أو المنطقة التي ينحدر منها وتعتبر مسقطا لرأسه . فعلى سبيل المثال يطلق السوريون على أهالي مدينة اللاذقية تسمية (( اللواذقة )) والواحد منهم نسميه (( اللاذقاني )) ، وإذا رجعنا إلى نص المسعودي حول نهر برطاس المتشعب من نهر الفولغا الذي يسميه أحيانا (( نهرالخزر )) وأحيانا أخرى (( اتيل )) الذي يقول فيه: (( وفي أعالي نهر الخزر مصب متصل بخليج من بحر نيطس وهو بحر (الروس ) لا يسلكه غيرهم ... )) . أعتقد أن موطن الروس الأصلي يقع في المنطقة التي تنبع منها الأنهار الثلاثة : الفولغا والدنيبر ودفينا الغربي ، أو متاخمة لها ، وإذا تمعنا في خارطة منطقة الفالداي والمناطق المحيطة بها فإننا نشاهد في شمالها الغربي بحيرة لادوغا الكبيرة وعلى سواحلها يوجد العديد من التلال الأثرية وعدة مدن أهمها مدينة لادوغا ، وعندما نجري مقارنة مع تسمية المسعودي للروس (( اللوذاعنة )) ، وفق مثال : لاذقية وأهاليها اللواذقة والواحد منهم اللاذقاني ، فإننا نلاحظ ما يلي : لادوغا وأهاليها اللوادغة والواحد منهم اللادوغاني . أعتقد أنه لا توجد حاجة لملاحظة مدى التشابه االكبير بين تسمية المسعودي (( اللوذاعنة )) وتسمية ((اللوادغة )) المشتقة من لادوغا. ومن المثير للاهتمام أن علماء الأثار الروس يجرون حاليا تنقيبات أثرية واسعة النطاق في مدينة لادوغا وكافة المناطق المحيطة بها ، حيث عثروا في مدينة لادوغا القديمة على عدة كنوز من النقود العربية الإسلامية تعود إلى القرون التاسع والعاشر والحادي عشرالميلادية وعثروا على كميات كبيرة من اللقيات الأثرية المتنوعة للغاية والتي تعود إلى حضارات شتى : البيزنطية والإسلامية والخزرية والأندلسية وغيرها ، وهذا يؤكد كلام المسعودي حول ممارسة الروس للتجارة في البحار والأحواض النهرية ، حيث يقول : ((... يختلفون بالتجارة إلى بلاد الأندلس ورومية وقسطنطينية والخزر ... )) . وتدل نتائج التنقيبات الأثرية الأخيرة التي جرت في مدينة لادوغا والمناطق المحيطة ، على الأهمية القصوى لهذه المنطقة في دراسة تاريخ الروس والكشف عن أصولهم .فقد استوطن هذه المنطقة منذ أقدم العصور القبائل الفيلندية والأغورية ، كما هاجرت القبائل السلافية ( الصقالبة ) إلى هذه المنطقة في بدايات القرن السادس الميلادي واستوطنت فيها . وقد شملت هجرة القبائل السلافية الوافدة من أوروبا الوسطى كافة مناطق شرق أوروبا وكان لها حضور متميز في الخاقانية الخزرية ، وهو ما تشير إليه المصادر العربية والبيزنطية . ورغم أن المسعودي وغيره من الجغرافيين العرب كانوا يذكرون الروس والصقالبة ( السلاف ) بشكل منفصل مما يؤكد أنهما كانا في تلك المرحلة شعبين مستقلين ، إلا أنه بنفس الوقت كان يورد ذكرهما إلى جانب بعضهما البعض ، وسبب ذلك يعود إلى عملية اندماج الروس مع الصقالبة في منطقة لادوغا والتي بدأت في بداية القرن التاسع الميلادي واستمرت هذه العملية في القرن العاشر في كافة المدن الواقعة في حوض نهر الدنيبر أدت لتشكيل عدة كيانات سياسية روسية - سلافية في هذه المنطقة أبرزها : لادوغا ونوفغراد وكييف والتي توحدت فيما بعد بزعامة مدينة كييف تحت قيادة سلالة ريوريك الروسية التي شكلت دولة قوية خاضت عدة حروب ناجحة ضد الإمبراطورية البيزنطية وقامت في عهد الأمير سفيتوسلاف بتهديم الخاقانية الخزرية اليهودية في عام 967 م وبنتيجة ذلك زالت نهائيا عن خارطة أوروبا الشرقية(13) . في المحصلة أستطيع القول ، أن الروس هم مجموعة من القبائل استوطنت على مدى عدة قرون في منطقة لادوغا واختلطت مع الشعوب المحلية : الصقالبة ( السلاف ) والفيلنديين والأغوريين . وحتى بداية القرن العاشر الميلادي كانت لادوغا عاصمتهم ومسقط رأسهم . وكان الروس يشكلون النخبة الحاكمة في مدينة لادوغا ولاحقا في نوفغراد وكييف وغيرها من المدن الواقعة في حوض نهر الدنيبر. وقد تميز الروس بإتقانهم ومهارتهم في التجارة النهرية والبحرية واشتهروا بقدراتهم العسكرية الفائقة وبسالتهم في المعارك وتشير إلى ذلك كافة المصادر التاريخية البيزنطية والعربية ، التي تشير أيضا إلى أن الروس أسسوا على مدى عدة قرون عدة مستوطنات ومستعمرات كمحطات تجارية في أحواض الأنهار الثلاثة الكبرى : الدنيبر ودفينا الغربي والفولغا ، وعلى سواحل وجزر البحر الأسود ، وقد صادفهم المسعودي في المدن المطلة على بحر قزوين وفي مدينة اتيل عاصمة الخاقانية الخزرية وصادفهم ابن فضلان في إمارة بُلغار في حوض نهر الفولغا . ونعود للسؤال الكبير : هل تنتمي روسيا إلى الحضارة الأوروبية الغربية كما يدعي ذلك ممثلو التيار التغريبي الليبرالي ؟ أم أن روسيا تمثل حضارة أوروأسيوية كما يؤكد ذلك ممثلو التيار القومي الروسي ؟ أعتقد أنه لو اقتصرت مساحة دولة الروس المندمجين مع السلاف ( الصقالبة ) على المناطق الغربية - الشمالية ، والتي تضم مناطق لادوغا ونوفغراد والفالداي بالإضافة إلى حوضي نهري دفينا الغربي والدنيبر كما كان الأمر حنى منتصف القرن الثالث عشر ، فإنها كانت ستنتمي حتما إلى الحضارة الأوروبية بالمعنى الواسع ( عرقيا وثقافيا ودينيا ) ، ولكن بعد خضوع الإمارات الروسية للسيطرة التتارية منذ منتصف القرن الثالث عشر ودخولهم في عداد دولة الأورطة الذهبية على امتداد أكثر من قرنين وتشكل دولة موسكو الروسية المركزية الموحدة في النصف الثاني من القرن الخامس عشر وقيامها في منتصف القرن السادس عشر على يد ايفان الرهيب بضم الإمارات التتارية الواقعة في حوض الفولغا ومناطق الأورال وسيبيريا إلى الدولة الروسية واستمرار توسعها لاحقا في الفضاء الآسيوي ، حدثت تغييرات انتروبولوجية جوهرية في تركيب الشعب الروسي ، فعلى امتداد حوالي الثمانية قرون جرت عملية اندماج عدة عروق وأجناس أوروبية وآسيوية ( اندماج الروس مع السلاف والفيلنديين والأغوريين والبجناك والقفجاق والتتار وشعوب سيبيريا وآسيا الوسطى ) ، وقد تبلورت هذه العملية بشكل خاص في مرحلة تشكل الإمبراطورية الروسية بدأ من عهد بطرس الأول في بداية القرن الثامن عشر وانتهائا بالحقبة السوفييتية في نهاية القرن العشرين ، والآن من يدق بيده على صدره مفتخرا بإنتمائه للقومية الروسية تجري في عروقه دماء مختلفة ومتنوعة للغاية ، ونستطيع أن نجزم بأنه تشكل في خلال الفترة المذكورة شعب روسي له حضارته الخاصة به يستند على تاريخ مشترك ولغة وثقافة وعادات مشتركة وواقع جيوبوليتيكي أوروأسيوي مشترك. هذه العملية التي تشكلت تاريخيا لا تنفي بالطبع وجود بعض النزعات الانفصالية المحدودة لدى بعض الأقليات القومية والتي برزت في مرحلة التسعينات من القرن العشرين ، ولكنها تبقى ضمن إطار محدود للغاية ولا تؤثر على وحدة أراضي الدولة الروسية والشعب الروسي الذي يحمل الموروث التاريخي للإمبراطورية الروسية في العهدين القيصري والسوفييتي والموروث الثقافي للديانتين الأرثوذكسية والإسلامية اللتين ترفضان الانصياع لإرادة الغرب الكاثوليكي .وفي المحصلة أعتقد أن روسيا لا تنتمي إلى الحضارة الأوربية ولا تنتمي إلى الحضارة الشرقية أو الأورأسيوية ، وإنما تنتمي إلى مجموعة الدول التي على مر التاريخ تميزت بكينونة خاصة بها تختلف عن حضارات الشعوب الأخرى ، فروسيا بخصائصها التاريخية والجغرافية والأنتروبولوجية والثقافية هي روسيا لا تشبه إلا نفسها . المراجع :
- 1- تاريخ روسيا في ثلاثة أجزاء ، اصدار معهد تاريخ روسيا التابع لأكاديمية العلوم الروسية تحت اشراف الأكاديمي ساخروف، موسكو 2000بالروسية ج1.
- غالكينا . ي. س الخاقانية الروسية ، موسكو 2002 بالروسية .
- المسعودي أبي الحسن . (( مروج الذهب ومعادن الجوهر )) 4 أجزاء، المكتبة العصرية ، صيدا – بيروت 1987 .
- ياقوت الحموي ، معجم البلدان ، دار الكتب العلمية بيروت 1990 ، ج1 ص 576- 578 .
- المسعودي ، مرجع ورد ذكره ، ج1 ص 124 .
- المرجع السابق ، ج1 ص 125 .
- المرجع السابق ، ج1 ص 176 .
- المرجع السابق ، ج1 ص 176 .
- المرجع السابق ، ج1 ص 178 .
- المرجع السابق ، ج1 ص 181 .
- تاريخ روسيا ، مرجع ورد ذكره ، ج1 .
- المسعودي ، مرجع ورد ذكره ، ج1 ص 182 .
- غالكينا . ي . س ، مرجع ورد ذكره .
ملاحظة : الدكتور عمر محمود شعار باحث سوري متخصص بالتاريخ مقيم في موسكو .
1) الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي (جزء 1)
2) الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي (جزء 2)
3) الروس وأصولهم على ضوء عمل المسعودي (جزء 3)
|